الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
107
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والأنبياء حتى حق الحياة . في هذه الآية جاء الفعل " كذبوا " بصيغة الماضي بينما جاء الفعل " يقتلون " بصيغة المضارع ، ولعل السبب - بالإضافة إلى المحافظة على التناسب اللفظي في أواخر الآيات السابقة والتالية وكلها بصيغة المضارع - هو كون الفعل المضارع يدل على الاستمرار ، والقصد من ذلك الإشارة إلى استمرار هذه الروح فيهم ، وأن تكذيب الأنبياء وقتلهم لم يكن حدثا عارضا في حياتهم ، بل كان طريقا واتجاها لهم ( 1 ) . في الآية التالية إشارة إلى غرورهم أمام كل ما اقترفوه من طغيان وجرائم : وحسبوا أن لا تكون فتنة أي ظنوا مع ذلك أن البلاء والجزاء لن ينزل بهم ، واعتقدوا - كما صرحت الآيات الأخرى - أنهم من جنس أرقى ، وأنهم أبناء الله ! ! وأخيرا استحال هذا الغرور الخطير والتكبر إلى ما يشبه حجابا غطى أعينهم وآذانهم : فعموا وصموا عن رؤية آيات الله وعن سماع كلمات الحق . ولكنهم عندما أصابتهم مظاهر من عقاب الله وشاهدوا نتائج أعمالهم المشؤومة ، ندموا وتابوا بعد أن أدركوا أن وعد الله حق ، وأنهم ليسوا عنصرا متميزا فائقا . وتقبل الله توبتهم : ثم تاب الله عليهم . إلا أن حالة الندم والتوبة لم تلبث طويلا ، فسرعان ما عاد الطغيان والتجبر وسحق الحق والعدالة ، وعادت أغشية الغفلة الناتجة عن الانغماس في الإثم تحجب أعينهم وآذانهم مرة أخرى ثم عموا وصموا كثير منهم فلم يعودوا يرون آيات أو يسمعوا كلمة الحق ، وعمت الحالة الكثير منهم . ولعل تقديم " عموا " على " وصموا " يعني أن عليهم أولا أن يبصروا آيات الله
--> 1 - في الواقع وكما جاء في تفسير " مجمع البيان " وفي غيره إن عبارة ، " فريقا كذبوا وفريقا يقتلون " في الأصل " كذبوا وقتلوا " و " يكذبون ويقتلون " .